دعا المجلس القومي لحقوق الإنسان، يوم الثلاثاء، إلى إدخال تعديلات واسعة على قانون تحليل المخدرات للعاملين بالجهاز الإداري للدولة، وإلغاء الفصل الفوري والإلزامي للموظفين الذين تثبت إيجابية عيناتهم، واصفًا الممارسة الحالية بأنها «إعدام مدني واقتصادي» غير مقصود.


وفي تقرير نشره موقع «المنصة»، يستعرض مكتب الأخبار نتائج ورقة سياسات أعدتها لجنة الحقوق الاقتصادية بالمجلس، وراجعت بموجبها القانون رقم 73 لسنة 2021. وطالبت اللجنة المشرّعين باستبدال سياسة العقوبة الصفرية بنظام تدريجي يضع العلاج والتأهيل وإعادة دمج الموظفين في العمل على رأس أولوياته، مع تصنيف الوظائف الحكومية وفقًا لمستويات المخاطر المرتبطة بها، بدلًا من تطبيق الفصل الشامل على جميع العاملين بالقطاع العام.


وينظم القانون شروط شغل الوظائف العامة أو الاستمرار فيها، ويلزم الجهات الحكومية بتنفيذ حملات مفاجئة للكشف عن تعاطي المخدرات داخل الجهاز الإداري للدولة. وبموجب القواعد الحالية، يؤدي ظهور نتيجة إيجابية أولية إلى إيقاف الموظف عن العمل فورًا لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، مع صرف نصف راتبه، لحين إجراء تحليل تأكيدي لدى مصلحة الطب الشرعي أو المعامل المركزية التابعة للدولة.


وعندما تظهر نتيجة التحليل التأكيدي إيجابية، يُلزم القانون جهة العمل بإنهاء خدمة الموظف بقوة القانون، دون منح الإدارة أي سلطة تقديرية في اتخاذ القرار. كما تفرض اللائحة التنفيذية شرط خلو الموظف من المخدرات في مختلف مراحل التوظيف، بما يشمل التعيين والتعاقد والترقيات والإعارات والنقل.

 


أرقام تكشف التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للفصل


استندت الدراسة إلى استطلاعات ميدانية شملت موظفين فُصلوا من وظائفهم، إلى جانب جلسات استماع موسعة مع مسؤولين حكوميين ونواب وممثلين عن النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني، لتقييم الآثار الفعلية للقانون بعد مرور أكثر من أربع سنوات على بدء تطبيقه.


وكشفت النتائج عن ثغرات إجرائية ومعلوماتية واسعة؛ إذ أفاد 83.3% من الموظفين الذين شملهم الاستطلاع أن الإجراءات الإدارية التي سبقت فصلهم كانت غير واضحة أو اتسمت بالغموض التام، بينما ذكر 81.7% أنهم لم يحصلوا على معلومات كافية بشأن حقوقهم القانونية والضمانات المكفولة لهم خلال إجراءات التحليل.


وامتدت التداعيات الاجتماعية والاقتصادية إلى أسر العاملين المفصولين في مختلف أنحاء البلاد. ووفقًا للمجلس، أبلغ 85.1% من الموظفين عن معاناتهم المتكررة من أزمات أسرية واجتماعية ونفسية، بينما فقد 76% مصادر دخلهم بالكامل، وواجه 71.1% صعوبات كبيرة في العثور على فرص عمل جديدة.


ومع تراكم الديون والعجز عن تحمل تكاليف التعليم والرعاية الصحية، خلصت اللجنة إلى أن القانون يؤدي، دون قصد، وظيفة حكم بالإعدام المدني والاقتصادي، إذ لا تقتصر آثاره العقابية على الموظف وحده، بل تمتد إلى أطفاله وأفراد أسرته.


كما رصدت الدراسة عيوبًا إجرائية في منظومة التحليل والتظلمات؛ إذ أشار 65.8% من المشاركين إلى أنهم لم يتمكنوا من ممارسة حقهم في التظلم أو الطعن على نتائج التحاليل، بسبب عدم معرفتهم بالجهة المختصة أو ضيق المدد الزمنية المحددة لتقديم الشكاوى، في حين لم ينجح سوى 19.2% في تقديم تظلماتهم.


وسلطت الورقة الضوء على شكاوى متكررة تتعلق بغياب بروتوكولات واضحة لتوثيق مسار العينات ومتابعة انتقالها بين الجهات، بما يضمن الحفاظ على هويتها ويحول دون وقوع أخطاء معملية. كما أشارت إلى عدم مراعاة الأدوية الموصوفة قانونيًا للمرضى، إذ كثيرًا ما تخلط مجموعات التحليل بينها وبين المواد المخدرة غير المشروعة، نتيجة تجاهل التاريخ الطبي للموظف.


وزاد المشكلة تعقيدًا غياب قاعدة بيانات موحدة لدى الدولة تربط بين نتائج التحاليل الأولية والتأكيدية ونتائج التظلمات، الأمر الذي يعرقل التقييم الدقيق للأثر الفعلي للقانون.

 


انتقادات للفصل الشامل ومطالب بنظام عقوبات متدرج


انتقد المجلس القومي لحقوق الإنسان تجاهل التشريع لمبدأ التناسب، موضحًا أن طبيعة مسؤوليات أمين الأرشيف تختلف عن مسؤوليات سائق القطار. وأكد التقرير أن الوظائف الخاضعة للقانون تنطوي على مستويات متفاوتة للغاية من المخاطر التشغيلية؛ فالوظائف المرتبطة مباشرة بالسلامة العامة، مثل قيادة القطارات أو الحافلات المدرسية، تتطلب درجة عالية من اليقظة والانتباه، بخلاف الوظائف الإدارية والمكتبية التي لا تنطوي على المخاطر نفسها.


ودعا المجلس إلى الانتقال من نظام عقابي موحد إلى استجابة موضوعية متعددة المستويات، تراعي طبيعة مخاطر الوظيفة، والسجل الوظيفي للموظف، وحالته الطبية، ومدى استعداده لتلقي العلاج، إلى جانب التمييز بين حالات التعاطي للمرة الأولى والحالات المتكررة.


وشددت التوصيات على ضرورة اعتبار العلاج ركيزة وقائية أساسية في آلية تنفيذ القانون، لا مسارًا اختياريًا بديلًا عن العقوبة. ووفقًا للمقترحات، ينبغي للجهات المختصة توفير تدخل علاجي للموظف قبل اتخاذ قرار الفصل، مع ربط استمراره في العمل بإثبات تعافيه من خلال فحوص طبية دورية دقيقة.


وبالنسبة إلى الوظائف الحساسة المرتبطة بالسلامة العامة، التي تحول نتيجة التحليل الإيجابية دون استمرار الموظف في أداء مهامه المعتادة، اقترح المجلس نقله مؤقتًا إلى وظائف أقل خطورة. كما دعا الدولة إلى إنشاء مسارات رسمية لإعادة تأهيل الموظفين الذين سبق فصلهم، وإتاحة فرص العمل لهم مجددًا بعد التعافي، وإنهاء استبعادهم المستمر من سوق العمل الرسمي، بما يقلل مخاطر الانتكاس والعودة إلى التعاطي.


وحددت وثيقة السياسات خارطة طريق تنفيذية تلزم الوزارات المعنية بإجراء تغييرات عاجلة على آليات العمل، تشمل توحيد بروتوكولات الكشف عن المخدرات، وإلزام الجهات بتسليم الموظفين إخطارات موحدة توضح حقوقهم ومواعيد التظلم، وتحديث قواعد البيانات الخاصة بتتبع العينات، وإصلاح آليات التظلمات التي تديرها مصلحة الطب الشرعي.


وعلى المستوى التشريعي، طالب المجلس مجلس النواب بتعديل القانون رقم 73 لسنة 2021، لإلغاء الفصل الإلزامي، وإقرار عقوبات متناسبة مع طبيعة كل حالة، وضمان توفير مسارات آمنة تتيح للموظفين العودة إلى العمل.

 


حماية السلامة العامة دون التضحية بحقوق العاملين


أكد المجلس أن الهدف النهائي من مراجعة التشريع لا يتمثل في وضع سلامة المرافق العامة في مواجهة حقوق العمال، بل في بناء منظومة متكاملة تحمي الجانبين معًا.


وينبغي أن يحقق هذا الإطار الردع المطلوب لمواجهة تعاطي المواد المخدرة، ويحافظ على السلامة العامة من خلال إجراءات دقيقة وعادلة، مع توفير آليات تتيح تصحيح الأخطاء المعملية، واستبدال الإقصاء المجتمعي بالرعاية الطبية والتأهيل.


وبذلك، يطرح المجلس توجهًا يقوم على التمييز بين طبيعة الوظائف ومستويات المخاطر، ومعالجة حالات التعاطي بدلًا من الاكتفاء بالعقوبة، بما يوازن بين حق المجتمع في مرافق عامة آمنة وحق العاملين في إجراءات عادلة وفرص حقيقية للتعافي واستعادة مصدر رزقهم.

 

https://almanassa.com/en/news/34782